السيد الطباطبائي
66
تفسير الميزان
يجتبى إليه من يشاء ويهدى إليه من ينيب " فأنبأ أن إقامة الدين لا يتيسر إلا بهداية من الله ، ولا يصلح لها إلا المتصف بالإنابة التي هي الاتصال بالله وعدم الانقطاع عنه بالرجوع إليه مرة بعد أخرى ، ثم قال : " وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم " فذكر أن السبب في تفرقهم وعدم إقامتهم للدين هو بغيهم وتعديهم عن الوسط العدل المضروب لهم ( الشورى : 14 ) . وقال أيضا في نظيرتها من الآيات : " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ، منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون " ( الروم : 32 ) فذكر فيها أيضا أن الوسيلة إلى إقامة دين الفطرة الإنابة إلى الله ، وحفظ الاتصال بحضرته ، وعدم الانقطاع عن سببه . وقد أشار إلى هذه الحقيقة في الآيات السابقة على هذه الآية المبحوث عنها أيضا حيث ذكر أن الله لعن اليهود وغضب عليهم لتعديهم حدوده فألقى بينهم العداوة والبغضاء ، وذكر هذا المعنى في غير هذا المورد في خصوص النصارى بقوله : " فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة " ( المائدة : 14 ) . وقد حذر الله سبحانه المسلمين عن مثل هذه المصيبة المؤلمة التي سيحلها على أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، وأنبأهم أنهم لا يتيسر ولن يتيسر لهم إقامة التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم ، وقد صدق جريان التاريخ ما أخبر به الكتاب من تشتت المذاهب فيهم وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم ، فحذر الأمة الاسلامية أن يردوا موردهم في الانقطاع عن ربهم ، وعدم الإنابة إليه في قوله : " وأقم وجهك للدين حنيفا " ( الروم : 30 ) في عدة آيات من السورة . وقد تقدم البحث عن بعض الآيات الملوحة إلى ذلك في ما تقدم من أجزاء الكتاب وسيأتي الكلام على بعض آخر منها إن شاء الله تعالى . وأما قوله تعالى : " وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا " فقد تقدم البحث عن معناه ، وقوله : " فلا تأس على القوم الكافرين " تسلية منه تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم في صورة النهى عن الأسى .